فخر الدين الرازي

227

تفسير الرازي

فيقتله ، ثم يتبين انه كان مسلما ، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية وههنا مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار ، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول : انه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه ، فقال حذيفة : يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ازداد وقع حذيفة عنده ، فنزلت هذه الآية : الرواية الثانية : أن الآية نزلت في أبي الدرداء ، وذلك لأنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف ، فقال الرجل : لا إله إلا الله ، فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئا ، فذكر الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : " هلا شققت عن قلبه " وندم أبو الدرداء فنزلت الآية . الرواية الثالثة : روي أن عياش بن أبي ربيعة ، وكان أخا لأبي جهل من أمه ، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة ، وذلك قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع ، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وطولا في الأحاديث ، فقال أبو جهل : أليس أن محمداً يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك فرجع ، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه ، وجلده أبو جهل مائة جلدة ، وجلده الحرث مائة أخرى ، فقال للحرث : هذا أخي فمن أنت يا حرث ، لله علي إن وجدتك خالي أن أقتلك . وروي أن الحرث قال لعياش حين رجع : ان كان دينك الأول هدى فقد تركته وان كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه ، فشق ذلك على عياش وحلف أن يقتله ، فلما دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول ففعل ، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر ، فلقيه عياش خالياً ولم يشعر باسلامه فقتله ، فلما أخبر بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قتلته ولم أشعر باسلامه ، فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( وما كان ) * فيه وجهان : الأول : أي وما كان فيما أتاه من ربه وعهد إليه . الثاني : ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك ، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف . المسألة الثالثة : قوله : * ( إلا خطأ ) * فيه قولان : الأول : أنه استثناء متصل ، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها : الأول : ان هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى ، لأن قوله : * ( وما كان لمؤمن أن